recent
أخبار ساخنة

مصر تتفاوض للحصول على أربع غواصات باراكودا من فرنسا. مفاوضات بحرية بالغة الأهمية

 مصر تسعي  للحصول على أربع غواصات باراكودا من فرنسا

تتفاوض مصر حاليًا مع مجموعة نافال الفرنسية لشراء أربع غواصات من طراز باراكودا تعمل بالطاقة التقليدية، في صفقة تُقدّر قيمتها بين 4.5 و6 مليارات يورو، مع احتمال تسليم أولى الغواصات بين عامي 2032 و2035. إلا أن إصرار القاهرة على الإنتاج المحلي وحقوق إعادة التصدير بات العقبة الرئيسية أمام إتمام العقد، ما حوّل النقاش من مجرد صفقة أسلحة إلى صراع صناعي وجيوسياسي أوسع نطاقًا.


طموح بحري مصري

يقف الأسطول البحري المصري على أعتاب واحدة من أهم عمليات التحديث في تاريخه الحديث. فمنذ عام 2022، انخرطت القاهرة في مفاوضات مع مجموعة نافال الفرنسية لشراء أربع غواصات هجومية تعمل بالطاقة التقليدية، مستوحاة من تصميم باراكودا المتطور. أشارت التقارير في البداية إلى أن مصر قد تسعى للحصول على ست غواصات، لكن المناقشات الحالية تركز بشكل أساسي على أربع غواصات، بتكلفة تُقدر بين 4.5 مليار و6 مليارات يورو. لن يقتصر هذا الاستحواذ المحتمل على استبدال غواصات روميو المصرية القديمة - أربع غواصات صينية الصنع يعود تاريخها إلى ثمانينيات القرن الماضي - بل سيكمل أيضًا غواصات تايب 209 الأربع التي تم تسليمها بين عامي 2016 و2021.

مع ذلك، فإن ما يجعل هذه المفاوضات استثنائية ليس حجم الصفقة، بل مطالب القاهرة غير المسبوقة: السيادة التكنولوجية الكاملة، والتصنيع المحلي في الإسكندرية، وحق إعادة تصدير مشتقات باراكودا إلى دول ثالثة. حوّلت هذه الشروط ما كان يمكن أن يكون عقدًا دفاعيًا روتينيًا إلى معضلة دبلوماسية وصناعية بالغة الأهمية، تُشكّل تحديًا للنهج الفرنسي التقليدي في تصدير الأسلحة ونقل التكنولوجيا.

غواصة باراكودا: غواصة ذات قدرات لا تُضاهى

تُمثل غواصة باراكودا، التي طُوّرت في الأصل كغواصة هجومية تعمل بالطاقة النووية (SSN) لصالح البحرية الفرنسية، ذروة الهندسة البحرية الفرنسية. ويحتفظ طرازها الذي يعمل بالطاقة التقليدية - باراكودا ذات الزعانف القصيرة - بالخصائص الأساسية التي تجعل تصميمها مهيبًا: خصائص التخفي الاستثنائية، وأنظمة الاستشعار المتطورة، والقدرة على البقاء مغمورة لفترات طويلة . وحتى في تكوينها الذي يعمل بالديزل والكهرباء، صُممت باراكودا للعمل بهدوء، وتتبع سفن العدو، وحماية الممرات البحرية الاستراتيجية، وعند الضرورة، شن ضربات دقيقة على أهداف بعيدة.

بالنسبة لمصر، سيمثل اقتناء مثل هذه الغواصات نقلة نوعية في القدرات البحرية. يُعد البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأحمر من أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم، ويُعد امتلاك أسطول غواصات قوي أمرًا ضروريًا لتأمين المصالح الاقتصادية لمصر، بما في ذلك قناة السويس - وهي ممر مائي يُدرّ مليارات الدولارات سنويًا من رسوم العبور. تُشكّل قوة الغواصات الحديثة رادعًا استراتيجيًا، لا سيما مع استمرار المنافسين الإقليميين في تحديث أصولهم البحرية.

المفاوضات: من مجرد شراء إلى شراكة صناعية

عندما بدأت المحادثات بين باريس والقاهرة عام ٢٠٢٢، كان المتوقع هو إبرام صفقة أسلحة تقليدية بين الحكومتين: حيث تقوم فرنسا ببناء الغواصات في شيربورغ وتسليمها إلى مصر بنظام تسليم المفتاح. إلا أن القاهرة سرعان ما أشارت إلى أنها تسعى إلى شيء أكثر طموحًا. فبدلًا من مجرد شراء منتجات جاهزة، طالبت مصر بحق تصنيع أجزاء كبيرة من الغواصات محليًا في أحواض بناء السفن بالإسكندرية.

لم يقتصر هذا الطلب على التجميع النهائي، بل سعت مصر إلى توسيع حقوق الإنتاج بما يسمح لصناعتها المحلية بتولي مسؤولية بناء الهيكل، وتكامل الأنظمة، والصيانة طويلة الأجل تدريجيًا. وفقًا للتقرير التكتيكي، كانت ظروف مصر عاملاً رئيسيًا في تأخير توقيع العقد، حيث يعمل كلا الجانبين على وضع إطار قانوني لمعالجة التحديات الأساسية - وأبرزها تصدير أنظمة الأسلحة المتقدمة إلى دول غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي.

الخط الأحمر: حقوق إعادة التصدير والسيادة التكنولوجية

لعلّ أكثر المطالب المصرية إثارةً للجدل هو طلب الحصول على حقوق إعادة تصدير مشتقات غواصات باراكودا المصنّعة محلياً. تتطلع القاهرة إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير الغواصات، وتقديم نسخ معدّلة منها إلى دول أخرى بمجرد تشغيل خط إنتاجها بكامل طاقته. هذا الطموح، إن تحقق، سيضع مصر في مصاف الدول القليلة القادرة على تصدير غواصات متطورة، وهو إنجاز استثنائي لدولة لطالما اعتمدت على موردين أجانب لتأمين معداتها العسكرية الأكثر حساسية.

أما بالنسبة لفرنسا، فيثير هذا الأمر مخاوف عميقة. فالغواصات من بين أكثر التقنيات العسكرية خضوعاً للرقابة، إذ تضم أنظمة حساسة تتعلق بالدفع والتخفي وأجهزة الاستشعار وتكامل الأسلحة. إن منح دولة أخرى حق بناء هذه الأنظمة وتعديلها وتصديرها يتجاوز بكثير مجرد صفقة تجارية، فهو يمثل قراراً استراتيجياً ذا تداعيات طويلة الأمد على ريادة فرنسا التكنولوجية والتزامها بضوابط التصدير.

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن القاهرة هددت صراحةً بالانسحاب من الصفقة الفرنسية واللجوء إلى الصين إذا لم تُلبَّ مطالبها . ووفقًا لمنصة الأخبار الإسرائيلية "كيكار هاشابات"، فقد طرحت مصر على طاولة المفاوضات مطلبًا أثار دهشة كلٍّ من مسؤولي مجموعة نافال وقصر الإليزيه: السيادة التكنولوجية الكاملة، بما في ذلك الحق في إنتاج وتصدير الغواصات بشكل مستقل. وإذا رفضت فرنسا، فإن بكين بانتظارها.

لماذا تُصرّ مصر على هذه المساومة الشديدة؟

يعكس موقف مصر التفاوضي الحازم تحولًا استراتيجيًا متعمدًا. فعلى مدى العقد الماضي، استثمرت القاهرة بكثافة في التصنيع العسكري، ساعيةً إلى تقليل اعتمادها على الموردين الأجانب وتطوير قدرات دفاعية محلية. وتندرج مفاوضات باراكودا ضمن هذه الرؤية الأوسع: فمصر لا تريد غواصات فحسب، بل تريد المعرفة والبنية التحتية والسلطة القانونية اللازمة لبنائها بنفسها، وربما بيعها لجهات أخرى.

هناك أيضًا دوافع عملية. يُقال إن حوض بناء السفن الفرنسي في شيربورغ مُثقلٌ بالبرامج الوطنية والتصديرية حتى عام 2035 على الأقل. إذا اعتمدت مصر كليًا على القدرة الإنتاجية الفرنسية، فقد تمتد مواعيد التسليم إلى أربعينيات القرن الحالي. في المقابل، يُمكن أن يُسرّع بناء الغواصات محليًا في الإسكندرية الجدول الزمني ويضمن احتفاظ مصر بالسيطرة على الصيانة والتحديثات طوال فترة تشغيل الغواصات.

بالإضافة إلى ذلك، تستكشف مصر في الوقت نفسه خيارات مع موردين آخرين، بما في ذلك كوريا الجنوبية والصين، كاستراتيجية ضغط. من خلال إبقاء خيارات متعددة مفتوحة، تزيد القاهرة الضغط على فرنسا للاستجابة لمطالبها الصناعية. تشير التقارير إلى أن مصر تُجري أيضًا مفاوضات موازية مع شركة نافانتيا الإسبانية لغواصات إس-80 ومع الصين لغواصات من طراز 039A. يُظهر هذا النهج متعدد المسارات أن القاهرة ليست مُرتبطة عاطفيًا بالخيار الفرنسي، بل تُجري مفاوضات محسوبة تهدف إلى انتزاع أقصى قدر من التنازلات.

معضلة فرنسا: فرصة تجارية في مواجهة مخاطر استراتيجية

بالنسبة لفرنسا، يُمثل العرض المصري سلاحًا ذا حدين. فمن جهة، تُمثل الصفقة فرصة تجارية هائلة، إذ تُقدر قيمتها بين 4.5 و6 مليارات يورو، ما يجعلها واحدة من أكبر عقود التصدير لمجموعة نافال في السنوات الأخيرة، مُعززةً بذلك إيرادات الصناعات الدفاعية الفرنسية بشكل كبير، ومُساهمةً في تغطية تكاليف برامج الغواصات المحلية.

ومن جهة أخرى، ينطوي منح مصر حقوق تصنيع وتصدير مشتقات غواصات باراكودا محليًا على مخاطر جسيمة. إذ ستُنشئ فرنسا بذلك منافسًا مُستقبليًا في سوق الغواصات العالمي، وهو سوق تتمتع فيه مجموعة نافال حاليًا بمكانة قوية. علاوة على ذلك، بمجرد أن تمتلك مصر القدرة على بناء هذه الغواصات وتعديلها بشكل مستقل، ستُصبح الرقابة الفرنسية على التحكم في التكوين، وحماية التكنولوجيا، والتزام المستخدم النهائي أكثر صعوبة.

كما يُساور المسؤولين الفرنسيين قلقٌ بشأن السابقة التي قد تُرسيها مثل هذه الصفقة. إذا حصلت مصر على حقوق الإنتاج والتصدير الكاملة، فقد تطالب دول أخرى بشروط مماثلة في عقود الدفاع المستقبلية، مما قد يؤدي إلى تآكل قدرة فرنسا على التحكم في أكثر تقنياتها العسكرية حساسية.

الآثار الإقليمية والدولية

لم يغب عن جيران مصر، ولا سيما إسرائيل، احتمال إبرام صفقة غواصات باراكودا. فقد تابعت منشورات الدفاع الإسرائيلية المفاوضات عن كثب، مدركةً أن أسطول غواصات مصري مُحدَّث ومُجهَّز بغواصات باراكودا المتطورة سيُغيِّر التوازن الاستراتيجي في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأحمر. وبينما تُحافظ مصر وإسرائيل على معاهدة سلام رسمية، يواصل البلدان مراقبة القدرات العسكرية لبعضهما البعض عن كثب.

كما أن للصفقة تداعيات على ضوابط تصدير الدفاع الأوروبية. ويتعين على فرنسا التعامل مع أطر تنظيمية معقدة تُنظِّم نقل أنظمة الأسلحة المتطورة إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي، لا سيما عندما يتعلق الأمر بحقوق إعادة التصدير. وسيتطلب أي اتفاق ضمانات قانونية صارمة لضمان عدم وصول الغواصات المُصنَّعة مصريًا إلى أيدي مستخدمين نهائيين غير مُصرَّح لهم أو إلى مناطق النزاع.

الوضع الراهن والتوقعات

حتى أوائل عام 2026، لم يتم توقيع أي عقد. بحسب التقرير التكتيكي، لا تزال المفاوضات جارية لكنها لم تُحسم بعد، ويعود ذلك في معظمه إلى عدم حسم ملف الصناعة . ويؤكد موقع "آرمي ريكوغنيشن" أن طلب مصر توسيع حقوق الإنتاج كان العامل الرئيسي في تأخير توقيع العقد .

يُتوقع أن تدخل أول غواصة الخدمة بين عامي 2032 و2035، وذلك تبعًا لكيفية هيكلة الترتيبات الصناعية. في حال اعتماد نموذج إنتاج مشترك، يُمكن تسليم أول غواصة في بداية هذا النطاق، بينما من المرجح أن يؤدي اعتماد نموذج بناء فرنسي بالكامل إلى تأخير التسليم.

يبقى واضحًا أن المفاوضات قد تجاوزت بكثير مجرد عملية شراء. فهي تشمل الآن مسائل السيادة التكنولوجية، والسياسة الصناعية، والتوافق الاستراتيجي بين دولتين تربطهما علاقات دفاعية عريقة. أشارت مصر إلى أنها لن توقع على الصفقة ما لم تُلبَّ مطالبها الأساسية، بينما يتعين على فرنسا الموازنة بين الفوائد التجارية والمخاطر طويلة الأجل المترتبة على إنشاء دولة جديدة منتجة للغواصات في الشرق الأوسط.

-الخلاصة يمثل سعي مصر للحصول على أربع غواصات من طراز باراكودا من فرنسا أحد أكثر مفاوضات الدفاع طموحًا وتعقيدًا في الذاكرة الحديثة. فالأمر لا يقتصر على عقد بمليارات اليورو فحسب، بل يتعلق بمستقبل التصنيع البحري المصري، وسيطرة فرنسا على أكثر تقنياتها العسكرية حساسية، والتوازن الاستراتيجي في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا.

يتوقف إتمام الصفقة في نهاية المطاف على قدرة الطرفين على تجاوز خلافاتهما بشأن الإنتاج المحلي وحقوق إعادة التصدير. وقد أوضحت مصر أنها لن تقبل بشراء الغواصات جاهزًا للاستخدام؛ فهي لا تقبل بأقل من السيادة التكنولوجية الكاملة. أما فرنسا، فعليها أن تقرر مقدار خبرتها في مجال الغواصات التي ترغب في مشاركتها، وبأي ثمن. مع ترقب الصين على ما يبدو، ستكون الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد نتيجة هذه المباراة البحرية عالية المخاطر.

المصادر

١- ميتا ديفنس: مصر تسعى لإنتاج وتصدير غواصات باراكودا التابعة لمجموعة نافال". ١٢ يناير ٢٠٢٦.

٢ - آرمي ريكوغنيشن: "مصر تسعى للحصول على المزيد من حقوق الإنتاج قبل شراء غواصات باراكودا من فرنسا". ٥ يناير ٢٠٢٦.

google-playkhamsatmostaqltradentX