افتتاح المتحف المصري الكبير… حينما يحيا التاريخ من جديد في عيون الناس

افتتاح المتحف المصري الكبير

في كل مرة تُشرق فيها شمس جديدة على أهرامات الجيزة، يبدو كأنها تهمس للتاريخ بأن مصر لم تزل على عهدها: بلد الحضارة، بلد الإنسان الأول الذي كتب الحروف الأولى في سفر الوجود. واليوم، يقف المصريون أمام صرح جديد يُعيد بعث هذا التاريخ في أبهى صوره، صرح لا يضم مجرد أحجارٍ وتماثيل، بل يختزن روح مصر منذ فجرها الأول حتى حاضرها: المتحف المصري الكبير.

كمواطن مصري عادي، أرى في افتتاح هذا المتحف لحظة تتجاوز مجرد حدث ثقافي؛ إنها علامة على استيقاظ جديد، على وعيٍ بأن التاريخ ليس عبئًا نحمله، بل هو جذورنا التي تمنحنا القوة لننمو من جديد.

وكالة الفيزا نيوز| افتتاح المتحف المصري الكبير بجوار الاهرامات

فكرة المتحف المصري الكبير: من الحلم إلى الحقيقة

الحلم بدأ في تسعينيات القرن الماضي، حين أدركت الدولة المصرية أن المتحف القديم في ميدان التحرير لم يعد قادرًا على استيعاب كنوز الحضارة المصرية ولا على تقديمها بأسلوب عصري. فتم وضع رؤية جريئة: إنشاء أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة — حضارة مصر القديمة.

اختير الموقع بعناية على بُعد كيلومترات قليلة من أهرامات الجيزة، بحيث يشكّل المتحف والأهرامات معًا مشهدًا بصريًا لا مثيل له في العالم. تخيّل أن تقف أمام واجهة المتحف، وترى من خلفها قمم الأهرامات الثلاثة، كأن التاريخ والحاضر يتصافحان أمام عينيك.

بدأ المشروع رسميًا عام 2002، ثم تطوّر على مراحل متعددة. وواجه المشروع تحديات عديدة: من التمويل إلى التصميم، ومن الاضطرابات السياسية إلى جائحة كورونا. ومع كل ذلك، ظل الحلم حيًا. حتى أعلن رئيس الوزراء المصري أن الافتتاح الرسمي سيكون في نوفمبر 2025، بعد أن اكتملت أعمال الإنشاء والتجهيز بنسبة تفوق 99%.

رمزية المكان والمعمار

عندما تقترب من المتحف، لا يمكنك أن تتجاهل عظمة التصميم. الواجهة الضخمة من الحجر الجيري والزجاج تعكس الضوء بطريقة تجعلها تبدو كأنها “تتنفس”. المبنى صُمم على شكل مثلثات هندسية مستوحاة من شكل الهرم، ليعكس هوية المكان ويُعيد إلى الأذهان فكرة الخلود التي ميّزت الحضارة المصرية القديمة.

المهندس المعماري الأيرلندي “هينغان” أراد أن يجمع بين الجمال العصري والروح المصرية الأصيلة. وعندما تدخل البهو الرئيسي، يستقبلك تمثال رمسيس الثاني، شامخًا كما لو أنه عاد من طيبة ليحرس أبناءه في الألفية الثالثة. وإلى جواره، صفٌّ من التماثيل الفرعونية التي تحكي قصة الدولة المصرية من بدايتها إلى أوجها.

رحلة داخل أعظم متحف في التاريخ

١- بهو رمسيس الثاني

تبدأ جولتك من البهو الفخم الذي يضم تمثال رمسيس الثاني بارتفاع أكثر من 11 مترًا. هذا البهو وحده تجربة حسية مذهلة: المساحة، الإضاءة، الزجاج الشفاف الذي يُظهر أهرامات الجيزة في الخلفية، والتماثيل التي تحرس المكان من الجانبين.

٢- قاعات توت عنخ آمون

هنا، ينبض التاريخ بالحياة. ستجد أكثر من 5000 قطعة من كنوز الملك الشاب، تُعرض لأول مرة بشكل كامل منذ اكتشافها عام 1922. من القناع الذهبي الشهير إلى العرش والعربات الحربية، وحتى حذائه المصنوع من الجلد المطعّم بالذهب. كل قطعة تحكي قصة ملك صغير غيّر وجه التاريخ.

٣- قاعة الموكب الذهبي

بعد نجاح “موكب المومياوات الملكية” عام 2021، خُصّصت قاعة داخل المتحف لتوثيق تلك اللحظة. يمكن للزائر أن يرى المومياوات في بيئة تحفظها علميًا، مع شاشات تفاعلية تعرض سِيَر الملوك وأسلوب تحنيطهم وأهم إنجازاتهم.

٤- متحف الطفل والمركز التعليمي

ولأن المتحف لا يخص الكبار فقط، خُصّص للأطفال مساحة تعليمية تفاعلية تجعلهم يتعلمون التاريخ من خلال الألعاب والتجارب البصرية. إنها تجربة تجعل الطفل يشعر أن التاريخ ليس شيئًا جامدًا، بل عالم يمكنه أن يعيش فيه ويتعلم منه.

٥- المساحات المفتوحة والمسرح

يضم المتحف ساحة خارجية ضخمة، ومسرحًا مكشوفًا للعروض الثقافية، إضافة إلى قاعات سينما ومركز مؤتمرات يمكن أن يستضيف فعاليات دولية، ما يجعل المتحف مركزًا حضاريًا متكاملًا وليس مجرد مبنى للعرض.

تجربة الزائر: حين يلتقي الإنسان بالحضارة

كزائر عادي، أكثر ما يدهشك في المتحف ليس عدد القطع المعروضة، بل “طريقة عرضها”. لم يعد الأمر كما كان في الماضي — صفوف من التماثيل خلف زجاج صامت — بل أصبحت التجربة تفاعلية بالكامل. الشاشات الرقمية تشرح، والضوء يُوجّه النظر، والصوت يروي القصص، لتشعر أنك تسافر في الزمن.

إنها ليست زيارة فحسب، بل “رحلة وعي”. في كل قاعة ستجد نفسك أمام سؤال: كيف استطاع أجدادنا أن يشيّدوا هذا المجد؟ وكيف يمكن أن نُعيد نحن إنتاج روحهم في حاضرنا؟

كثيرون من المصريين قالوا إن دخول المتحف منحهم إحساسًا بالفخر، وكأنهم للمرة الأولى يرون تاريخهم بعين جديدة، بعين تليق بعظمة ما قدّمه أجدادهم للعالم.

الأثر الاقتصادي: بوابة جديدة للسياحة المصرية

من الناحية الاقتصادية، يُعد المتحف المصري الكبير أكبر مشروع ثقافي في الشرق الأوسط، وتقدّر كلفته بأكثر من مليار دولار. لكنه في الوقت نفسه استثمار طويل الأمد، يُتوقع أن يعيد لمصر مليارات الجنيهات سنويًا من عائدات السياحة.

وفقًا لتقديرات وزارة السياحة المصرية، من المتوقع أن يجذب المتحف أكثر من 5 ملايين زائر سنويًا بعد افتتاحه الكامل، أي ما يعادل ربع عدد السياح الذين يزورون مصر سنويًا. هذا يعني زيادة في الطلب على الفنادق والمطاعم والنقل، مما ينعكس مباشرة على الاقتصاد المحلي في الجيزة والقاهرة الكبرى.

كما أن المنطقة المحيطة بالمتحف تشهد حاليًا تطويرًا شاملًا يشمل إنشاء ممشى سياحي يربط المتحف بالأهرامات، وفنادق جديدة فاخرة، ومنطقة تجارية. هذا التطوير سيحوّل الجيزة إلى “مدينة سياحية متكاملة”، وليس مجرد محطة لزيارة الأهرامات فقط.

الأثر الثقافي والاجتماعي: ولادة وعي جديد

أهمية المتحف لا تتوقف عند الجانب المادي، بل تتجاوز إلى بناء وعي ثقافي جديد. فالمتحف يقدّم للمصريين — وخاصة الأجيال الشابة — صورة حديثة عن تراثهم. هو لا يكتفي بعرض الماضي، بل يجعلنا نفكر في علاقتنا بالحضارة، وكيف نستفيد من هذا الإرث في بناء المستقبل.

في مجتمع يعاني أحيانًا من الانشغال بالحياة اليومية وضغوطها، يأتي المتحف ليذكّرنا بأننا أبناء حضارة عظيمة. وربما هذا هو أعظم أثر له: أنه يُعيد تعريف الهوية المصرية بطريقة تجعلها حاضرة وملهمة، لا مجرد ذكرى.

كذلك، فإن وجود مركز تعليمي داخل المتحف يُتيح تنظيم ورش عمل للطلاب، ودورات تدريبية في علم الآثار والترميم، مما يفتح بابًا جديدًا للتعلم والعمل في مجال الثقافة والتراث.

التحديات والفرص بعد الافتتاح

رغم هذا النجاح، فإن إدارة مشروع بهذا الحجم ليست سهلة. التحديات تشمل:

١- الحفاظ على القطع الأثرية في ظروف مثالية من الإضاءة والرطوبة.
٢- توفير تجربة متجددة حتى لا يتحوّل المتحف إلى زيارة لمرة واحدة فقط.
٣- إتاحة الفرصة للمصريين بأسعار مناسبة، بحيث لا يُنظر إليه كمكان للنخبة أو للسياح الأجانب فقط.
٤- الربط بالنظام التعليمي: أن يصبح المتحف جزءًا من المناهج الدراسية، يزوره الطلاب بانتظام.
٥- الاستدامة البيئية: إذ يستخدم المتحف الطاقة الشمسية والتقنيات الخضراء، وهي خطوة مهمة في إطار التحول البيئي العالمي.

وفي المقابل، توجد فرص هائلة يمكن استثمارها:

  • تحويل المتحف إلى مركز عالمي للبحوث الأثرية.

  • إقامة مؤتمرات دولية عن التاريخ والتراث.

  • استخدام المتحف كمنصة ثقافية للفنون المصرية الحديثة، في تفاعل بين الماضي والحاضر.

  • تطوير السياحة الرقمية عبر جولات افتراضية لغير القادرين على الحضور.

رؤية 2030: المتحف كقاطرة حضارية واقتصادية

بحلول عام 2030، تتطلع مصر إلى أن يكون المتحف المصري الكبير ليس مجرد مؤسسة ثقافية، بل “قوة ناعمة” تمثّلها أمام العالم. فمن خلاله، يمكن تعزيز صورة مصر كدولة مستقرة، حديثة، ومتصالحة مع تاريخها.

التقديرات تشير إلى أن المتحف سيخلق ما لا يقل عن 20 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وسيسهم في زيادة الدخل القومي للسياحة بنسبة تتراوح بين 10% و15%.
كما سيُصبح مركزًا رئيسيًا للتعاون الدولي في مجالات الآثار والترميم، إذ أبدت عدة دول (منها اليابان وإيطاليا وفرنسا) رغبتها في الشراكة البحثية والتدريبية معه.

ولأن المتحف يقع في قلب “منطقة الجيزة السياحية الجديدة”، فإن خطط النقل العام — من مترو أنفاق إلى خطوط حافلات كهربائية — ستجعل الوصول إليه سهلاً وآمنًا، ما يشجّع الأسر المصرية على زيارته أكثر من مرة.

من قلب المواطن: ماذا يعني لي هذا الافتتاح؟

بالنسبة لي، كمواطن بسيط، لست خبيرًا في الآثار ولا مؤرخًا. لكن عندما أرى هذا المتحف العملاق الذي يشهد عليه العالم، أشعر بأن مصر لا تزال قادرة على صنع المعجزات. كأنها تقول لكل أبنائها: “هذا هو مجدكم، احفظوه وواصلوه.”

الافتتاح بالنسبة لي ليس مجرد حدث رسمي، بل لحظة عاطفية. لحظة تجعل كل مصري يرفع رأسه فخرًا. لحظة تقول إننا لسنا فقط أحفاد الفراعنة، بل ورثتهم في العمل والإنجاز والقدرة على الحلم.

حين يقف طفل في البهو الكبير وينظر إلى تمثال رمسيس الثاني، سيشعر أنه من سلالة عظماء، وأن هذه الحضارة ليست قصة قديمة تُروى في كتاب، بل هي دم يسري في عروقه.

الخاتمة: من الحجر إلى الإنسان

في النهاية، المتحف المصري الكبير ليس مجرد مبنى من الحجر والزجاج، بل هو “رحلة إنسان”. رحلة بدأها المصري القديم حين رفع أول حجر في الهرم، واستكملها المصري الحديث حين رفع آخر حجر في هذا المتحف.

هو وعدٌ بأن التاريخ لن يُحبس في الكتب، بل سيظل حيًا في العيون والعقول.
هو دعوة لأن نعيد اكتشاف أنفسنا في مرآة الماضي، ونبني على ذلك المستقبل الذي يليق ببلدٍ اسمه مصر.

افتتاح المتحف المصري الكبير، بالنسبة لي ولكل مصري، هو يومٌ نعيد فيه تعريف معنى “الهوية” و“الكرامة الثقافية”.
إنه ليس فقط افتتاح متحف… بل افتتاح لوعي جديد، يُعلن أن المصري القديم لم يمت، بل يعيش فينا جميعًا، ما دمنا نحمل شعلة الحضارة في القلب والعقل.

وكالة الفيزا نيوز
بواسطة : وكالة الفيزا نيوز
وكالة الفيزا نيوز وكالة اخبارية تهتم بالشأن العربي وقضايا الشعوب العربية و القضايا العالمية بمختلف جوانبها وتسلط الضوء علي التاريخ العربي و العالمي بعيد عن أي ايديولوجيات سياسية أو عرقية أو دينية؛ وتهتم بعلم القانون بمختلف جوانبه ، وعلم الاقتصاد والمساعدة في حل الازمات الاقتصادية، ونقدم قسم الموسوعة لنشر التاريخ العربي و العالمي وغيرها من العلوم والأحداث.
تعليقات